«من تقديس العقل إلى تقديس الهوى… كيف يُفصل المسلم عن علمائه؟»
حين تتحول الدعوة إلى استعمال العقل إلى وسيلة لهدم المرجعية العلمية في الدين
من أخطر ما يُروَّج له اليوم، تحت شعارات براقة من قبيل: «استعمل عقلك»، و«لا تدع أحدًا يفكر بدلًا منك»، و«أنت تملك عقلًا فلا تقدّس أقوال العلماء»، تلك الدعوات التي لا تقف عند تحرير العقل من التقليد الأعمى، بل تتجاوز ذلك إلى إسقاط مكانة العلماء، والتشكيك في الحاجة إليهم، وتصوير الرجوع إليهم كأنه عجز عن التفكير أو تنازل عن حرية الإنسان!
والسؤال الذي ينبغي أن نطرحه هنا:
هل المقصود حقًّا أن يفكر المسلم بعقله، أم أن يُفصل عن أهل العلم حتى يصبح فهمه للدين خاضعًا لثقافته المحدودة، وانطباعاته الشخصية، وما تمليه عليه أهواؤه؟
إن أخطر ما في هذا الخطاب أنه يبدأ بكلمة حق: «لا تُلغِ عقلك»، ثم قد ينتهي إلى نتيجة باطلة: «لا تحتاج إلى العلماء لفهم دينك!»
وهنا تكمن المشكلة.
أولًا: الإسلام لم يُلغِ العقل… ولكنه لم يجعله إلهًا!
ليس في الإسلام خصومة بين العقل الصحيح والوحي الثابت؛ فالقرآن الكريم مليء بالدعوة إلى التفكر والتدبر والتعقل والنظر.
قال تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾.
وقال سبحانه: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾.
ولكن هل معنى ذلك أن يصبح عقل كل إنسان مرجعًا مستقلًا في تفسير كلام الله، ولو افتقر إلى معرفة اللغة العربية وأصول التفسير والسنة النبوية وأقوال الصحابة؟
هل يستطيع الإنسان أن يخوض في الطب دون الرجوع إلى الأطباء، أو يفتي في مسائل الهندسة دون معرفة بأصولها، ثم إذا تعلق الأمر بدين الله قيل له: يكفيك عقلك لتفهم القرآن كما تشاء؟
إن استعمال العقل شيء، وجعل العقل المجرد عن العلم حاكمًا على الوحي شيء آخر تمامًا.
فالعقل نعمة عظيمة، ومن أعظم وظائفه أن يهتدي بالوحي، وأن يفهمه وفق أصول العلم، لا أن يجعل رغبات صاحبه ميزانًا لقبول النصوص وردها.
ثانيًا: من الذي رفع منزلة العلماء؟ أليس هو الله؟
إن مكانة العلماء في الإسلام ليست امتيازًا اخترعوه لأنفسهم، ولا سلطة منحها لهم الناس، وإنما هي منزلة قررها الوحي.
قال الله تعالى:
﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: 9].
وقال سبحانه:
﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: 28].
وقال عز وجل:
﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: 43].
وقال سبحانه:
﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: 83].
تأمل هذه الآية الأخيرة!
لم يجعل الله الاستنباط شأنًا يتساوى فيه جميع الناس، بل أثبت أن هناك من يملك العلم والقدرة على الاستنباط، وأن الرجوع إليه سبيل لمعرفة ما يخفى على غيره.
وفي السنة النبوية يقول رسول الله ﷺ:
«العلماء ورثة الأنبياء» رواه أبو داود والترمذي.
ويقول ﷺ:
«من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين» متفق عليه.
فإذا كان الله قد رفع شأن العلماء، وأمر بسؤال أهل الذكر، وجعل الفقه في الدين علامة على إرادة الخير بالعبد، فكيف يصح أن يُصوَّر الرجوع إلى العلماء على أنه تعطيل للعقل؟
ثالثًا: حتى الصحابة احتاجوا إلى بيان النبي ﷺ لفهم القرآن!
وهنا نقف أمام مثال عظيم يكشف خطورة الاكتفاء بالفهم الشخصي للنصوص.
لما نزل قول الله تعالى:
﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَٰئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام: 82].
شق ذلك على أصحاب رسول الله ﷺ، وقالوا: «أينا لم يظلم نفسه؟».
لقد فهموا من لفظ الظلم معناه العام، فخافوا أن يكون كل من وقع في ذنب قد حُرم من الأمن والهداية.
فماذا فعلوا؟
هل قالوا: نحن عرب، والقرآن نزل بلغتنا، وعندنا عقول نفهم بها، فلا حاجة لنا إلى سؤال أحد؟
كلا!
بل رجعوا إلى رسول الله ﷺ، فبيّن لهم أن المراد بالظلم في هذه الآية هو الشرك، واستدل بقوله تعالى على لسان لقمان:
﴿يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: 13].
والحديث متفق عليه.
تأملوا جيدًا!
هؤلاء هم الصحابة، أهل اللسان العربي، الذين شهدوا التنزيل، وعرفوا سياقات الوحي، ومع ذلك استشكل عليهم فهم آية، فرجعوا إلى رسول الله ﷺ حتى يبيّن لهم معناها.
فكيف يأتي اليوم من لا يعرف أسباب النزول، ولا يميز بين العام والخاص، ولا بين المطلق والمقيد، ولا يحيط بالسنة وأقوال السلف، ثم يظن أن مجرد امتلاكه عقلًا يكفيه ليخوض في معاني القرآن وأحكامه دون علم؟
ولئن كان النبي ﷺ هو المبيّن المعصوم للوحي، فإن العلماء بعده ليسوا معصومين، وإنما يرجع إليهم لما يحملونه من علم بالكتاب والسنة وطرائق فهمهما.
رابعًا: ماذا يحدث حين يُفصل الناس عن علمائهم؟
حين يضعف اتصال المسلم بالعلماء الراسخين، لا يصبح بالضرورة أكثر استقلالًا في التفكير، بل قد يصبح أكثر عرضة للتأثر بكل من يحسن الكلام والتأثير!
قد يترك تفسير العلماء الذين أفنوا أعمارهم في دراسة القرآن والسنة، ثم يتلقى فهم دينه من مقطع قصير، أو مؤثر مشهور، أو صاحب خطاب جذاب لا يملك أدوات العلم.
وهنا المفارقة العجيبة: يرفض الرجوع إلى العالم بحجة أنه لا يريد أن يفكر أحد بدلًا منه، ثم يسمح لخوارزمية أو مؤثر على مواقع التواصل أن يشكّل تصوره للدين!
والأخطر من ذلك أن تتحول الآيات إلى نصوص يُنتقى منها ما يوافق الرغبات، ويُصرف ما يخالفها عن معناه بغير حجة علمية.
فبدل أن يسأل الإنسان: ماذا أراد الله مني بهذه الآية؟
يصبح سؤاله: كيف أجعل هذه الآية توافق ما أريده أنا؟
وهنا لا يعود القرآن حاكمًا على أهوائنا، بل تصبح أهواؤنا هي التي تتحكم في طريقة فهمنا للقرآن!
وقد حذّر النبي ﷺ من ذهاب العلم بذهاب العلماء، فقال:
«إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يُبقِ عالمًا اتخذ الناس رؤوسًا جهالًا، فسُئلوا فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا» متفق عليه.
إن هذا الحديث يكشف خطورة تصدّر الجهلاء حين يغيب العلم وأهله؛ فالمشكلة ليست مجرد غياب المعلومة، بل ظهور من يتكلم في دين الله بغير علم، فيضل ويُضل.
خامسًا: العلماء ليسوا معصومين… ولكن أخطاءهم لا تُسقط العلم!
وهنا لا بد من تقرير حقيقة مهمة:
نحن لا ندعو إلى تقديس العلماء، ولا إلى تعطيل العقول أمام أقوالهم، ولا إلى قبول كل ما يقولونه دون نظر.
فالعالم بشر يصيب ويخطئ، ويُقبل من قوله ويُرد، والحق لا يُعرف بمجرد أسماء الرجال.
لكن هناك فرقًا عظيمًا بين نقد قول عالم بأدلة العلم، وبين إسقاط المرجعية العلمية كلها!
وفرق بين أن تتعلم كيف تفهم الأدلة، وبين أن تظن أنك أصبحت أهلًا للفتوى والتفسير لمجرد أنك قرأت ترجمة آية أو شاهدت مقطعًا!
إن العالم الرباني لا يريد أن يصادر عقلك، بل يعينك على استعماله استعمالًا صحيحًا، ويعلمك كيف تفهم النصوص، وكيف تجمع بين الأدلة، وكيف تميز بين القطعي والظني، وبين مواضع الاتفاق والاجتهاد.
فليس كل من رفض التقليد الأعمى قد بلغ مرتبة الاجتهاد، وليس كل من امتلك عقلًا امتلك أدوات العلم!
سادسًا: من يحفظ الدين للأجيال؟
تأملوا كيف وصل إلينا القرآن الكريم، وكيف حُفظت السنة النبوية، وكيف دُوّنت علوم التفسير والحديث والفقه وأصوله.
لقد سخّر الله لهذه الأمة علماء بذلوا أعمارهم في التعليم والرواية والتمحيص والبيان، فميّز المحدثون صحيح الحديث من ضعيفه، وبيّن المفسرون معاني الآيات، وحرّر الفقهاء الأحكام، ونقل القراء القرآن جيلًا بعد جيل بالتلقي والإتقان.
ولولا توفيق الله ثم جهود هؤلاء، فكيف كان عامة الناس سيميزون بين الحديث الثابت والمكذوب، أو بين التفسير المعتبر والتأويل الباطل؟
إن العلماء ليسوا بديلًا عن القرآن والسنة، بل من أعظم وظائفهم خدمة الوحي وبيانه وتعليمه للناس، وربط الأمة به على بصيرة.
ولهذا فإن الطعن العشوائي في العلماء، والتشكيك في قيمة التخصص الشرعي، لا يقف أثره عند الأشخاص، بل قد يمتد إلى زعزعة ثقة الناس بالعلم الذي يحملونه.
أخيرًا: لا تسمح لأحد أن يفصل عقلك عن الوحي… ولا أن يفصلك عن أهل العلم!
أيها الشاب المسلم…
استعمل عقلك، وتفكر، وتدبر، واسأل، وتعلم، وابحث عن الدليل.
ولكن اعلم أن التدبر حق لكل مسلم، أما القول في مراد الله بغير علم فليس حقًا لأحد.
لا تجعل العالم معصومًا، ولكن لا تجعل نفسك عالمًا لمجرد أنك تستطيع القراءة والتفكير.
ولا تجعل أخطاء بعض العلماء سببًا لهدم مكانة العلم كله.
وإذا دعاك أحد إلى الاستغناء عن العلماء باسم تحرير العقل، فاسأله:
هل تريد أن تعلمني كيف أفهم القرآن فهمًا صحيحًا، أم تريد أن تزيل من طريقي كل مرجعية علمية حتى أفسره بما أشتهي؟
فليس كل خطاب يرفع شعار العقل يقود إلى العلم، وليس كل دعوة إلى التحرر من التقليد تقود إلى الحق.
إننا نريد عقولًا واعية، لا عقولًا معطّلة؛ وعقولًا تهتدي بالوحي، لا عقولًا تستعلي عليه؛ ومسلمين يتعلمون من العلماء دون أن يقدسوهم، ويزنون الأقوال بالدليل دون أن يتجرؤوا على دين الله بغير علم.
فاحذر أن تُخدع بشعار «فكّر بنفسك»، حتى ينتهي بك الأمر إلى أن تجعل هواك مفسرًا لكلام ربك!




