هل حفظ أبناؤنا القرآن… أم حفظوا حروفه وغابت عنهم هداياته؟
لم يكن المقصود الأعظم من تعلّم القرآن عند الصحابة والتابعين مجرد جمع الآيات في الصدور، ولا التباهي بعدد الأجزاء والأحزاب المحفوظة، بل كان القرآن عندهم علمًا وإيمانًا وهدايةً وتزكيةً وعملًا ومنهاج حياة.
لقد كان من هدي الصحابة رضي الله عنهم ألا يتجاوزوا عشر آيات حتى يتعلموا ما فيها من العلم والعمل، فجمعوا بين حفظ القرآن وفهمه والعمل به.
أما اليوم، فقد أصبح السؤال الذي يشغل كثيرًا من الآباء والأمهات: كم حفظ ابني؟ وكم حزبًا أتم؟ ومتى سيختم القرآن؟
وهي أسئلة مشروعة، لكن أين الأسئلة الأعظم؟
أين بلغ القرآن من قلب ابنك وعقله وسلوكه؟
- هل حكيت له قصص القرآن حتى عاش معانيها، وتعلّم منها سنن الله في خلقه؟
- هل عرّفته بالله من خلال آياته وأسمائه وصفاته، حتى امتلأ قلبه محبةً لله وتعظيمًا له ومراقبةً؟
- هل تشربت نفسه مركزية الدار الآخرة، فأصبح يتطلع إلى الجنة، ويشتاق إلى نعيمها، ويستحضر لقاء الله في اختياراته وأعماله؟
- هل تعلّم من القرآن الصدق والأمانة والحياء والرحمة والصبر وبرّ الوالدين؟
- هل أصبح القرآن مرجعًا له في الحكم على الأشياء، والتمييز بين الحق والباطل، والخير والشر؟
إننا لا نقلّل من شأن حفظ القرآن، ولا ندعو إلى التهاون فيه؛ فحفظه من أجلّ الأعمال وأعظم القربات.
ولكن المؤلم أن تُستنزف الجهود كلها في الحفظ والمراجعة والإنجاز، بينما لا يجد الفهم والتدبر والتزكية والعمل إلا النزر اليسير من وقتنا واهتمامنا!
قد يحفظ الطفل سورًا كثيرة، ثم لا يعرف ماذا تعلّمه عن ربه، ولا كيف تهذّب أخلاقه، ولا كيف يواجه بها فتن الحياة.
فأيّ خسارة أعظم من أن نحفظ القرآن في صدور أبنائنا، ثم نغفل عن غرس هداياته في قلوبهم؟
إن الغاية ليست أن ينتهي أبناؤنا من القرآن فحسب، بل أن يصحبهم القرآن في حياتهم، ويبني تصوراتهم، ويزكّي نفوسهم، ويهدي سلوكهم، ويصلح علاقتهم بربهم.
فلنعلّم أبناءنا أن يحفظوا القرآن، وأن يفهموه، وأن يحبوه، وأن يعيشوا به.
فالقرآن لم ينزل ليكون أرقامًا في سجلات الإنجاز، وإنما أنزله الله هدىً للناس، ونورًا للقلوب، وشفاءً لما في الصدور.
﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص: 29]




