الشيخ محمد زحل عالم وداعية مغربي، درس على كبار المشايخ بمراكش، ثم انتقل إلى الدار البيضاء حيث أمضى خمسة وخمسين عامًا على المنابر وفي حِلَق العلم، يعظ الناس ويفقّههم في شؤون دينهم. وكان رئيس رابطة علماء المغرب العربي، وعضوًا مؤسسًا في الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.
وهو واحد من أعمدة العمل الإسلامي بالمغرب، بل من نوادر قياداته التاريخية، إذ يحمل في ذاكرته الحية قدرًا مهمًّا جدًّا من تاريخ التجربة الدعوية بالمغرب، فبالإضافة إلى كونه واحدًا من الرواد المؤسسين، فإنه ممن أسهموا في تجنيب سفينة العمل الإسلامي من الغرق. وهو من القيادات الدعوية النادرة التي جمعت بين العلم والعمل، يتميز بصفاء العقيدة، والحرص على العمل بالسنة، مع فقه واعٍ لقضايا العصر، يتقد حماسًا وغيرة على العمل والصحوة الإسلاميين. تنبعث من حديثه ثقة كبيرة بدينه، وعزة إيمانية عالية، ويحرص كثيرًا على الحديث بلغة عربية فصيحة، جريء في الحق، غير متردد في إبداء أفكاره، سواء ما يتعلق منها بواقع الحركة الإسلامية بالمغرب وتاريخها الشائك، أو ما يتعلق بالصحوة الإسلامية في العالم الإسلامي بشكل عام.
المولد والنشأة والتكوين
وُلد الشيخ محمد زحل سنة 1363هـ الموافق 1943م في بلدة تيلوى، دوار إكوزلن، بإقليم الصويرة على الساحل الغربي للمحيط الأطلسي، في وسط فقير، من أسرة كل أفرادها قرّاء وطلبة علم، من قبيلة «مكنافة» إحدى قبائل «حاحا» المعروفة بإقليم الصويرة.
وقبل بلوغه العامين اضطر والده إلى مغادرة البلدة نحو مدينة الصويرة «بحثًا عن حياة أقل شدة وعيشة أقل ضنكًا»، فعمل والده هناك إمامًا ومحفّظًا للقرآن، لكن العائلة مرّت بنكبة حيث مات ثلاثة من أطفالها، مما اضطرها إلى العودة من حيث أتت عام 1949م. وقد عانى الشيخ في طفولته، فبالإضافة إلى فقر عائلته أصيب بالشلل في مرحلة مبكرة من العمر.
حفظ القرآن الكريم على يد والده وعمره 11 سنة، وأتقنه نصًّا ورسمًا. وتلقى تعليمه الأول بالمدرسة «الجزولية» نسبة إلى محمد بن سليمان الجزولي، وكان التحاقه بها عام 1956م، فدرس الأجرومية ولامية الأفعال وألفية ابن مالك وتحفة ابن عاصم ومتن الرسالة، إلى جانب بعض المتون الأدبية. وبعد إلحاحه أذن له والده في الالتحاق بالمدرسة «الهاشمية» بتمنار تحت إشراف الشيخ البشير بن عبد الرحمن توفيق والد الدكتور محمد عز الدين توفيق، ثم انتقل إلى المعهد الإسلامي بتارودانت الذي كانت تديره جمعية علماء سوس، ثم غادر إلى مراكش حيث التحق بكلية ابن يوسف ذات الصيت الذائع، وتابع بها التعليم النظامي.
وأثناء وجوده في مراكش أخذ العلم عن كبار المشايخ، أمثال الحسين راغب وأحمد أملاح وحسن جبران وعمر فوزي والمختار السباعي والعلامة الرحالي فاروق وعبد السلام جبران. وبعد تخرجه من كلية ابن يوسف عام 1963م سافر إلى الدار البيضاء، فنجح في مسابقة المعلمين مما أهّله للالتحاق بمدرسة المعلمين، وتخرج منها بعد ذلك بعام.
التجربة الدعوية
أبدى الشيخ زحل باكرًا نفورًا من الوسط الصوفي ومن اهتمام المجتمع بالأضرحة. وقد برّر تعلقه بالانضمام إلى المدرسة الهاشمية بتمنار بما لاحظه من شجاعة طلابها وجرأتهم على الكلام، وانتقادهم الأساليب العتيقة في التعليم لدى بعض الشيوخ، وهجومهم على الطرق الصوفية وانتقادهم لزواياها، واعتراضهم على الأضرحة وغلوّ الناس فيها وما يساق لها من القرابين والنذور.
وبعد انتقاله إلى الدار البيضاء والتحاقه بسلك التعليم، بدأ مسيرته الدعوية، فكان نشاطه مكتظًّا بالمحاضرات والدروس في المساجد والأندية ودور الشباب والجمعيات الثقافية، وإلى جانب نشاطه الدعوي والتعليمي تولّى الخطابة في العديد من المساجد. ويروي أنه شرح كتاب التوحيد للشيخ محمد بن عبد الوهاب في مسجد الفوارات بالدار البيضاء، وشرح صحيح الإمام مسلم على امتداد سنتين في جامع الشهداء الذي كان يخطب فيه الجمعة أيضًا، ودرّس صحيح البخاري على امتداد ثلاثة عشر عامًا في جامع عين الشق العتيق.
وفي أوائل سبعينيات القرن العشرين شارك في تأسيس الحركة الإسلامية بالمغرب بمعية عبد الكريم مطيع وإبراهيم كمال وعبد اللطيف عدنان وعلال العمراني وعمر عصامي وإدريس شاهين وآخرين.
الوظائف والمسؤوليات
عمل الشيخ معلّمًا في المدارس الحكومية بمدينة الدار البيضاء، وتولّى الخطابة والإمامة والتدريس في العديد من جوامعها.
عشر سنوات في مجلة «الفرقان»
أسّس الشيخ سنة 1984م مجلة «الفرقان» وتولّى إدارتها لعشر سنوات بمعية الدكتور سعد الدين العثماني، وأصدر خلال مساره عدة كتب وأشرطة من دروس ومحاضرات. كما عمل في جمعية «أنصار الإسلام» صحبة الفقيه العلامة محمد مفضال السرغيني والأستاذ محمد الجبلي، وعمل أيضًا في جمعية شباب الدعوة الإسلامية.
ونال عضوية مؤسسات إسلامية داخل المغرب وخارجه، منها رابطة علماء المغرب، والاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، ورئاسة رابطة علماء المغرب العربي، وشارك في مؤتمرات علمية وثقافية في الداخل والخارج.
وفاته
توفي الشيخ محمد زحل رحمه الله يوم 23 غشت 2017م بمدينة الدار البيضاء عن عمر ناهز 74 عامًا. ونعته رابطة علماء المغرب العربي، وقالت في بيانها: «بكل الأسى والحزن تلقينا خبر وفاة رئيس رابطتنا رابطة علماء المغرب العربي الشيخ العالم العامل المجاهد القدوة بقية السلف في زماننا، الشيخ محمد زحل، نسأل الله أن يتغمده برحمته وأن يجعله في عليين مع النبيين والصديقين والشهداء، فقد كان منارة للعلم والصبر والعفة والغيرة على دين الإسلام في ثبات وصبر وقوة فهم وحسن خلق».
وقال الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين في بيان نعيه: «وقد فقدت الأمة الإسلامية واحدًا من قادتها المجاهدين وأحد علمائها الربانيين، نرجو من الله العلي القدير أن يغفر له، ويرحمه، ويعفو عنه، ويجزيه خير الجزاء، ويكرم نزله، ويوسع مثواه، ويدخله جنة الفردوس، ويحشره يوم القيامة مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين».
رحم الله الشيخ محمد زحل رحمة واسعة، وأسكنه فسيح جناته، وجزاه عن الإسلام وأهله خير الجزاء.
الموقع الرسمي للشيخ: https://www.zouhal.net/
