الشيخ العلّامة محمد بن الأمين بوخبزة (أبو أويس) رحمه الله
يُعدّ الشيخ العلّامة محمد بوخبزة من مشاهير رجالات العلم والمعرفة والثقافة العربية الإسلامية في المغرب، ومن العلماء المشهود لهم مشرقًا ومغربًا بالإحاطة والمعرفة الواسعة بخزائن الكتب العربية الإسلامية قديمها وحديثها. وهو من أشهر علماء أهل السنة في المغرب، ومفخرة المغرب ومدينة تطوان، جمع بين الفقه والحديث والتفسير والتحقيق والتدقيق وكتابة السِّيَر، وصاحب التصانيف العديدة المفيدة والتحقيقات السديدة الفريدة.
نسبه ومولده
هو محمد بن الأمين بن عبد الله بن أحمد بن أحمد بن الحاج أبي القاسم، يرتفع نسبه إلى الولي الصالح أبي الحسن علي بن الحسن الحسني الإدريسي العمراني، المكنّى بـ «بوخبزة»، والملقّب بـ «أبي أويس».
وُلد بمدينة تطوان شمال المملكة المغربية، بدرب الجُعَيدي، يوم السبت 26 ربيع الأول 1351هـ الموافق 20 يوليوز 1932م. وكان والد جدّه الفقيه السيد أحمد معدَّلًا وأستاذًا مقرئًا، وأخوه الفقيه النحوي السيد علي الذي أخذ عنه العلم كثير من علماء تطوان.
نشأته وطلبه للعلم
تلقّى مبادئ القراءة والكتابة والحساب والدين على الفقيه المجوّد السيد الحاج أحمد بن عبد السلام الدُّهري، وبعد وفاته واصل تعليمه على الفقيه محمد بن الراضي الحسّاني، والفقيه الزاهد محمد بن عمر بن تاويت الودراسي، فأتمّ حفظ بعض المتون العلمية كالآجرومية، والمرشد المعين، وألفية ابن مالك، وبعض مختصر خليل في الفقه المالكي.
ثم التحق بالمعهد الديني بالجامع الكبير ومكث فيه نحو عامين، تلقّى خلالهما دروسًا نظامية على مدرّسين مشهورين، منهم محمد بن عبد الصمد التجكاني، ومحمد بن عبد الكريم أقلعي المعروف بالفحصي، والعربي بن علي اللوه. وقبل ذلك أخذ عن والده النحو بالآجرومية والألفية إلى باب الترخيم حتى توفي، وأخذ الفقه المالكي عن القاضي عبد السلام بن أحمد علال البختي الودراسي، والنحو عن الأستاذ المختار الناصر، والسيرة عن المؤرخ الحاج أحمد بن محمد الرهوني، وعن الفقيه الحاج محمد الفرطاخ اليدري، وعن الدكتور محمد تقي الدين الهلالي الذي قدم تطوان حوالي سنة 1365هـ.
واعتنى بالمحدّث الحافظ أحمد بن الصديق الغماري، وأُعجب بسعة اطلاعه ورسوخ قدمه في علوم الحديث، فكاتبه وجالسه وأجازه إجازة عامة بما تضمّنه فهرسه الكبير والصغير.
أخلاقه وتعامله مع الناس
عُرف الشيخ بين الخاصة والعامة بالبشاشة وسجاحة الأخلاق وطلاقة المحيا وانشراح الصدر، وكان يرسل الطرفة المستملحة والنكتة المهذّبة في دروسه وخطبه لإثارة التشويق في نفوس الحاضرين، عالمًا أن درجة التعلّم تتوقف على قوة هذا العامل، فكان لذلك أثر كبير في استهواء النفوس واجتذاب القلوب.
وقد أثنى عليه جلّة من الأئمة الأعلام، وطار خبره مشرقًا ومغربًا، فهو من العلماء العاملين والحفاظ المتفنّنين، ذو الخط المغربي الأندلسي الجميل، وغزارة العلم الشرعي الأصيل، حافظ فهّام، قوّام صوّام، زاهد فاضل، عذب المنطق فصيح اللسان، عارف بصناعة التدريس والإقراء، من محققي أهل المغرب، متّصف بالإنصاف وسلامة الصدر.
نشاطه ومسيرته المهنية
بعد وفاة والده سنة 1367هـ تقلّص نشاطه وتأخر عن كثير من دروسه انشغالًا بوالدته وإخوته، لكنه لم ينقطع عن الدراسة والمطالعة. وفي سنة 1370هـ زار فاس وأخذ بالقرويين دروسًا عن الفقيه محمد بن العربي العلوي في أحكام القرآن لابن العربي. وبعد ذلك عرض عليه القاضي أحمد بن تاويت العمل معه كاتبًا بالمحكمة الشرعية فقبل، كما عمل بالخزانة العامة والمحفوظات بتطوان، وفهرسته لمخطوطات الخزانة شاهدة له بعلوّ كعبه في الفهرسة والتصنيف.
وفي المجال الصحفي أصدر بالمعهد الديني أول مجلة خطية باسم «أفكار الشباب»، ثم أصدر في 27 ديسمبر 1954م مجلة «الحديقة» الأدبية الثقافية التي دامت خمسة أشهر، وأصدر جريدة «البرهان» الخطية لانتقاد سياسة الاستعمار الإسباني في التعليم واضطهاد الطلبة. وبعد ما لقيه من مضايقات تفرّغ للتدريس والكتابة، ونشر مقالات كثيرة في مجلة «لسان الدين» ومجلة «النصر» و«النبراس» وجريدة «النور»، كما نظم قصائد كثيرة معظمها في الإخوانيات ضاع أكثرها.
واشتغل خطيبًا بمسجد العيون وكان يكتظ بالمصلين، وبالوعظ والإرشاد بمسجد العيون ومسجد سيدي طلحة ومسجد ديور الحجار، وأسّس «معهد الإمام أبي القاسم الشاطبي» بتطوان لتحفيظ القرآن الكريم وتدريس علومه، يتخرج منه سنويًا مئات الطلبة، وظلّ يدرّس فيه الموطأ إلى آخر حياته.
ولعلوّ مقامه العلمي شُدّت إليه الرحال من المشرق والمغرب، وتنافس الناس في الأخذ عنه والاستجازة منه، فكثر تلاميذه وتعلّقوا به تعلّقًا كبيرًا، وكان يجلس بين تلاميذه من هو أعلى منهم مرتبةً حرصًا على الفائدة.
عشقه للكتب وخزانته
اشتهر الشيخ بعشقه للعلم واقتناء الكتب المطبوعة والمخطوطة، حتى ضمّت مكتبته آلاف الكتب في مختلف الفنون، ما بين مخطوط وحجري ومطبوع، بذل جهدًا كبيرًا في جمعها من مختلف الأقطار. واستفاد منها جلّة من العلماء والطلبة من المغرب وخارجه، ولم يكن يبخل بإعارة الكتب وتصوير المخطوطات لمن هو أهل لها. وكان من النوادر في قوة الذاكرة وسرعة الحفظ والصبر على الكتابة والمطالعة.
رائد فن تحقيق المخطوطات
كان الشيخ من رواد فن تحقيق المخطوطات في زمانه، وتربطه علاقات وطيدة ومراسلات مع كبار العلماء المحققين من المغرب، كمحمد بن تاويت الطنجي وعبد القادر الصحراوي ومحمد بن شريفة وسعيد أعراب ومحمد حجي وعبد الله كنون وعباس الجراري، ومن المشرق الشيخ محمد ناصر الدين الألباني وأبو إسحاق الحويني ومشهور حسن سلمان وبشار عواد وغيرهم.
واشترك مع مجموعة من محققي المغرب في تحقيق مصنفات مهمة، ككتاب «ترتيب المدارك» للقاضي عياض، و«التمهيد» لابن عبد البر، و«الذخيرة» للقرافي.
تحقيقاته
- جزء من «التمهيد» لابن عبد البر.
- أجزاء من «الذخيرة» للقرافي المالكي، طُبعت في 13 مجلدًا.
- «أربعون حديثًا في الجهاد» لعلي بركة الأندلسي.
- «الرسالة الوجيزة المحررة» للفقيه محمد الرهوني.
- «وصية ابن عمار الكلاعي لابنه».
- تعليق على «الرائية» لابن المقرئ اليمني في الرد على الاتحاديين.
- جزء من «النوادر والزيادات» لابن أبي زيد القيرواني، طُبع في 14 مجلدًا.
- فهرس مخطوطات خزانة تطوان.
- «شهادة اللفيف» لأبي حامد العربي الفاسي.
- «شرح القاضي عبد الوهاب على الرسالة» لابن أبي زيد القيرواني.
- «سراج المهتدين» لابن العربي المعافري.
منهجه في تفسير القرآن الكريم
اهتمّ الشيخ بعلم التفسير باكرًا، وكان لقدوم الشيخ تقي الدين الهلالي إلى تطوان سنة 1365هـ، بعد فضل الله تعالى، أثر في توجّهه إلى تفسير كتاب الله. وقد كتب «دروسًا في أحكام القرآن» محاذيًا فيها «الأحكام الصغرى» لابن العربي، ومحرّرًا أقواله ومناقشًا أدلته، إلى نهاية الحزب الثاني من سورة البقرة. ثم كتب «دروس التفسير لكلام العلي القدير» ابتداءً من حوالي سنة 1993م من الفاتحة إلى أواخر الحزب الرابع من سورة البقرة، وكتب تفسير سورتي فصلت وغافر وسورة القدر. أما تفسيره المسجّل في الأشرطة فقد ختم به القرآن مرة واحدة وشرع في أخرى.
ومن معالم منهجه: تصدير السورة ببيان إجمالي عنها، وشرح المفردات لغويًا، والتعريف بالأعلام القرآنية، وتقرير المعنى الإجمالي بالمأثور، وسوق الفوائد واللطائف في فنون شتى، وتعقّب بدع التفاسير وأوهام المفسرين. وهو يقدّم التفسير بالمأثور: القرآن بالقرآن، ثم بالسنة، ثم أقوال الصحابة والتابعين، ثم الشعر العربي. وتتجلى في تفسيره ثلاثة معالم كبرى:
- المعلم الموسوعي: يتنقل بين اللغة والشعر والفقه والحديث والتاريخ في أسلوب شيّق وغزارة معلومات.
- المعلم الأثري: يجعل «الدر المنثور» للسيوطي نصب عينيه، ويستقي من ابن كثير والبغوي وابن القيم، متحرّيًا الصحيح ومتحاشيًا الضعيف.
- المعلم النقدي: يناقش كبار الأئمة في آيات الصفات بأدب الرد والنقاش الهادف، ولا يخشى في الله لومة لائم.
وفاته
في صباح الخميس 30 يناير 2020م، فاضت روح الشيخ بقسم الإنعاش بإحدى المصحات الخاصة بمدينة تطوان، بعدما نُقل إليها في حالة حرجة قبل عشرة أيام، وكان عمره ثمانيًا وثمانين سنة. ترك عشرات الكتب والمجلدات والمخطوطات التي قضى معظم حياته في كتابتها، وتخرّج على يديه مئات من طلاب العلم من مختلف دول العالم، منهم علماء ودعاة..
رحم الله الشيخ العلّامة محمد بوخبزة رحمة واسعة، وأسكنه فسيح جناته، وجزاه عن العلم وأهله خير الجزاء.
